كلام الله .....   

            د. نبيل يوسف عباس     

image-1503.jpeg

 

بعد هياطٍ ومياطٍ أجدني أكتب في هذا الموضوع العميق الدقيق الذي يحتاج فهمه حصيلةً معرفيةً متخصصة وكثيرًا من التؤدة والتركيز . ذلك أن صفة كلام الله  كانت ولا تزال معركة كبري بين المتكلمين، اشتد فيها الخلاف واحتدم للحد الذي سمي به علم العقيدة بعلم الكلام .

فإن قال قائلٌ: ( فمالِ العوام وعلم الكلام) ؟

فالعامي إيمانه فطري لا يحتاج دليلًا، فعنده لا إله إلا الله، وليس كمثله شيء. وهذا يكفيه، فحَوْلها يدندن المتكلمون وكل المسلمين . كما أن مسائل علم الكلام محلها مجالس العلم والتعلم. ولذلك حذر إلامام الغزالي عن طرحها للعوام في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام)

أقول : إنَّ العاميَّ لن يملك صبرًا لقراءة  مسائل علم الكلام لا سيما (صفة الكلام)، وسيعرض عنها وإن بدأ في القراءة .

فدسامة المادة تزهده في القراءة، وغرابة المصطلحات قد لا يطيق فهمها. وإلا، فهذا يعني أن له قدرًا معرفيًا يمكنه من فهم  المراد. كما إنني ساتبسط كثيرًا في شرحي وأتجنب المصطلحات ما استطعت إلىٰ ذلك سبيلًا . . 

ولا أعني بالعوام غِمار الناس فحسب، بل كل من ليس لهم عناية بالعلوم الشرعية أو قواعدها، وهم الكثرة الكاثرة من الناس .

وقد كنت أتمنى أن نكون جميعًا في حيِّز الإجمال  فنقول: ( الله متكلم بكلام هو صفته، وليس كمثله شيء) ونكتفي بذلك. أي بالقدر الذي تلقاه الصحابة رضوان الله عليهم عن النبي صلى الله عليه وتلقاه التابعون عنهم، ونبقى في بُحبوحة هذا القدر دون تفصيلٍ .

لكن بعضهم أوغل في تفاصيل منافية لأصول العقيدة السليمة. وهذا ما دعا أهل السنة والجماعة للتفصيل ودعاني للخوض في هذا الموضوع، ولست سوي ناقل .

قبل الخوض في التفاصيل أجدني أوطئ لذلك بالحديث - قليلًا - عن ركني علم الكلام، القِدَم والحدوث

القِدَم هو عدم مسبوقية الوجود بالعدم، أي وجوب الوجود. وعكسه الحدوث الذي هو مسبوقية الوجود بالعدم، أي الكون بعد العدم .

يقول الشيخ الدردير في الخريدة البهية :

  حدوثُهُ وجودُهُ بعد العَدَمْ

وضدُهُ هو المسمى بالقِدمْ ..

فالقديم واجب الوجود لا يسبقه العدم ولا يطرؤه ولا يلحقه. إذ لو كانت له بداية لكان معدومًا قبلها، ولو كانت له نهاية سيكون معدومًا بعدها .

فالقديم واجب الوجود أزلي بلا بداية، أبدى بلا نهاية. ولا قديم سوى الله سبحانه سرمدي الوجود. هو الأول بلا بداية الآخِر بلا نهاية .

أما الحادث فهو جائز الوجود، أي كل من له بداية ونهاية. وهو ما سوى الله من مخلوقات .

  يعرِّف ابن سينا مصطلح واجب الوجود في كتابه (النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية) بأنه الموجود الذي متى فُرِض عدمه عرض منه محال، والمستحيل هو المعدوم الذي متى فُرِض وجوده عرض منه محال، والجائز هو ما لا يعرض منه محالًا في الفرضين .

بمعنى ان واجب الوجود لا يقبل العدم، والمستحيل لا يقبل الوجود، والجائز يجوز عليه الوجود والعدم معاً. ويطلق المتكلمون لفظة (القديم) ويراد بها الخالق، ولفظة (الحادث) ويقصد بها المخلوق .

وبالتالي فإن صفات القديم قديمة لا تتغير، وصفات الحوادث حادثة متغيرة. إذ لا يقوم الحادث بالقديم ولا يحل القديم في الحوادث. وإلا لصار القديم حادثًا متغيرًا. فالتغيير يعني الحدوث، أي البداية والنهاية. فإذا انتقل جسم من النقطة ( أ ) إلى النقطة ( ب )، فهذا يعني أن هذا الجسم حادث لأنه قد تغير، حيث كانت له بداية عند النقطة ( أ ) وصارت له نهاية عند النقطة ( ب ). لذلك يستدل المناطقة على حدوث العالم على بالمعادلة المنطقية المعروفة :

العالم متغير / كل متغير حادث

إذن العالم حادث

سبحانه يغيِّر ولا يتغير ... 

ولنسأل.. هل الله متكلم ؟

اتفق العلماء أجمعون أبتعون أكتعون أبصعون على أن الله متكلم قال تعالى :{.. وكلم الله موسى تكليمًا} ) النساء [164

ولكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الكلام  بين إفراط وتفريط. وجاء أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة والماتريدية) من بين فرثٍ ودمٍ بلبنٍ خالصٍ سائغٍ للشاربين .

لكن قبل ذلك، ما هو الكلام لغةً؟

  يطلق الكلام ويراد به الحدث نفسه، قال الشاعر :

( كلامُكَ هنداً وهي مصغيةٌ

يشفيكَ ؟

قلت: صحيحٌ ذاك لو كانا ). 

أي تكليمك هندًا. وهذا المعنى لا يعنينا في هذا المقام

ويطلق الكلام ويراد به الكلام اللفظي، قال تعالي:{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ..} التوبة (6).

ويطلق الكلام أيضًا ويراد به الكلام النفسي أي القائم بالنفس، قال تعالى :  {.. وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ.. } ۚ المجادلة (8).

فما هي خصائص الكلام اللفظي والكلام النفسي ؟

الكلام اللفظي: عبارة عن أصوات وحروف. والصوت هو شكل من أشكال الطاقة الناتجة عن اهتزاز الأجسام. تنتقل هذه الاهتزازات عبر وسط مادي مثل الهواء، السوائل، أو المواد الصلبة على شكل موجات طولية تسمى الموجات الصوتية، وتصل إلى الأذن لتُترجم في الدماغ إلى الأصوات التي ندركها .

ولا شك أن التغيير والانتقال حدوث ينافي القِدم

والحرف أيضًا هو صوت لكنه مكيف بطريقة محددة من حيث خروجه من مخارج الحروف من الجوف، الحلق، اللسان والشفتين وضغط الهواء وانحباسه.  فالحروف تقطيع للأصوات يتم إخراجها وتشكيلها عبر مخارج محددة في الجهاز الصوتي للانسان . فالعلاقة بين الصوت والحرف علاقة عموم وخصوص مطلق. فأصوات الطبيعة والبهائم ليست حروفًا، وبالتالي الحروف أيضًا حادثة

وينقسم الكلام اللفظي إلى لغات (عربية، انجليزية، فرنسية.. إلخ) وهذا التقسيم ينافي القدم أيضًا، فالصفات القديمة واحدة لا تنقسم ولا تتغير

والكلام اللفظي كذلك مرتب. والترتيب يعني التقديم والتأخير. فالمرء لا يستطيع أن ينطق بكلمتين دفعة واحدة، بل لا يستطيع أن ينطق حرفين معًا. على سبيل المثال في كلمة ( رحمن )، لا يستطيع المرء أن ينطق حرف الحاء قبل حرف الراء، ولا حرف الميم قبل حرف الحاء، فلا بد من الترتيب. والترتيب يعني البداية والنهاية، فيبدأ حرف الحاء بعد أن ينتهي حرف الراء في النطق، وينتهي لحظة نطق حرف الميم وهكذا. وهذا حدوث بلا شك

والكلام اللفظي في اللغة العربية بعضه معرب، تتغير فيه أواخر الكلمات ( ضمة، فتحة، كسرة ) وهذا التغير حدوث حتمًا

إذن الكلام اللفظي حادث

أما الكلام النفسي : فهو كلام قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت ولا لغة ولا إعراب فيه ولا بناء. وقد لا يكون فيه ترتيب. نعم قد يأتي الكلام النفسي متتاليًا، لكنه قد يكون كله قائمًا في النفس دون ترتيب. فقد يدخل المحاضر قاعة الدرس والمحاضرة كلها في ذهنه ثم يبدأ عند التلفظ بها ( التدريس) بترتيبها لعناصر (مقدمة، موضوع، أقسام ، فروع، خاتمة). وذلك يعني أن الكلام النفسي يمكن أن يكون قديمًا

لكن هل ( الكلام ) لفظ مشترك بين الكلام اللفظي والكلام النفسي أم هو حقيقةٌ في النفسي مجازٌ في اللفظي ؟

إن الأصل هو الكلام النفسي، والمرء يستعمل الوسائل الأخرى ( اللفظ، الكتابة، الإشارة )  لإيصال ما في نفسه للغير. فالأخرس عنده كلام نفسي لكنه لا يقدر على التلفظ به، فيعبر عنه بالإشارة. فهو يملك الكلام النفسي ولا يملك اللفظي. وعلى العكس منه الانسان المشدوه عندما تكلمه فجأةً وقد غابت عنه الأفكار والمعاني تجده يتلعثم لا لعيب في لسانه، ولكن لأنه في هذه الحالة كان يملك الكلام اللفظي ولا يملك النفسي

قال الشاعر :

إنَّ الكَلامَ لَفي الفُؤادِ وإنَّمَا

جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دَلِيلا .. 

فماهي صفة كلام الله؟   

ذكرنا أن كل العلماء ، بل كل المسلمين- نُخَبهم وعوامهم - متفقون على أن الله سبحانه وتعالى متكلم بكلام حقيقي. ذلك أن إعراب ( تكليمًا ) في قوله تعالى:{ وكلَّم الله موسى تكليمًا} هو مفعول مطلق مؤكد للفعل. وذلك يعني قطعًا أنه كلام حقيقي ليس بمجاز. لكنهم اختلفوا في تفاصيل صفة كلام الله، هل هو كلام قديم أم حادث؟

سأتعرض في ردي لأهم المذاهب وأشهرها، دون التعرض لاستدلالاتهم وتفنيدها، فالمقام يضيق عن ذلك .

ماذا قال الكرَّامية عن كلام الله ؟

يعتقد الكرامية (أتباع محمد بن كرَّام السجستاني) أن كلام الله لفظي، بألفاظ وحروف حادثة قائمة في ذات الله

وهذا هو التفريط بعينه، إذ كيف يقوم الحادث بالقديم ؟

فلو اتصف القديم بالحدوث لصار حادثًا. لذلك يخرجهم كثير من العلماء من ملة الإسلام ويصفهم بالكفر

وماذا قال بعض الحنابلة عن كلام الله ؟

بالقطع لا أعني بذلك السادة الحنابلة أتباع الإمام أحمد، وإنما بعض غلاة الحنابلة المتعصبين الذين تطرفوا وغالوا كثيراً فيما قاله الإمام أحمد في محنته (محنة خلق القرآن)

يعتقد هؤلاء الغلاة بأن القرآن الذي بين دفتي المصحف هو كلام الله القديم، ومن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر. وأن القرآن قديم بحرفِه وصوتِه ومعناه حتى بورقه، ويستحيل الفصل بين التلاوة والمتلو. وبالتالي فإن التلفظ بالقرآن قديم والقرآن الملفوظ قديم

فهل يستقيم ذلك وتالي القرآن نفسه حادث؛ وصوته حادث؛ والاسطوانة التي عليها التلاوة حادثة؛ وأوراق المصحف حادثة؛ والحروف نفسها حادثة ؟

قطعًا لا يستقيم، فالذات القديمه ليست محلًا للحوادث وإلا لصار القديم حادثًا والخالق مخلوقًا، تنزه الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ... 

ثم ماذا قال المعتزلة ؟

هذه أخطر فرقة مرت على العالم الإسلامي. فهم رغم ما قدموه من خدمات جليلة في الرد على الملاحدة والدفاع عن العقيدة والذَّبِّ عنها. الا أن أفرطوا في التنزيه لحد التعطيل. فأتوا بشبهات قوية تستند على النصوص وحجج علمية تربك غير المختص. فقد كان منهم علماء كبار كعمرو بن عبيد، الجبائي، القاضى عبد الجبار، الزمخشري، الجاحظ وغيرهم

وأنا لا أتفق مع من يقول إن المعتزلة كانوا يقدمون العقل على النقل وإنهم كانوا متأثرين في فكرهم بالفلسفة اليونانية ، وأري أنهم على العكس من ذلك، كانوا نصوصيين، أي نقليين في كل الشبهات التي أثاروها ولكنهم انحرفوا في فهم تلك النصوص. على سبيل المثال عندما أنكر المعتزلة رؤية الله في الجنة، احتج عليهم أهل السنة والجماعة بقوله تعالي : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} القيامة (22 ، 23 ).

فرد المعتزلة بأن الآية لا تعني رؤيته تعالى في الجنة، وإنما تعني انتظار  المؤمنين نعمة الله. ذلك أن ( ناظرة ) في اللغة تعني أيضًا منتظرة، وأن ( إلى ) هي مفرد آلاء وهي النعم). وغير ذلك كثيرٌ مما يؤكد استدلالهم بالنقل

فلنرَ ماذا قالوا في صفة الكلام

قال المعتزلة باستحالة الكلام على الله لأن الكلام أصوات وحروف وهي حادثة ولا يجوز أن تكون ذاته القديمة محلًا للحوادث لئلا يلزم اتصافه بالحدوث. وأن معنى كونه متكلمًا أنه خالق للكلام في غيره، لكنه أسند الكلام إليه لأنه خلق قدرة التكلم في المتكلِّم. وهو عندما أراد أن يكلم سيدنا موسى عليه السلام، خلق أصواتًا وحروفًا في الشجرة سمعها سيدنا موسي. وعندما أراد أن يكلم المسلمين خلق القرآن في اللوح المحفوظ فنزل به سيدنا جبريل عليه السلام على سيدنا محمد صلى الله عليه

  من ذلك تجد أن المعتزلة قصروا الكلام فقط على الكلام اللفظي. وفي ذلك منافاة للشرع والواقع، فسيدنا عمر رضي الله عنه حدَّث عن يوم السقيفة فقال : (وكنت قد زورت كلامًا في نفسي، فلما أردت أن أتكلم، أشار إلي أبو بكر...) ، وتجد اليوم أحدهم يقول : (عندي كلام أريد إن أقوله لك). وفي ذلك دلالة لا تخفي على وجود الكلام النفسي

  وكيف يكون الله متكلمًا لأنه خلق الكلام في غيره، هل من يخلق الشيء يتصف به ؟

فالله سبحانه وتعالى خلق اللون الأبيض، فهل يتصف به ويقال الله أبيض ؟

ثم كيف تتكلم الشجرة ويوصف غيرها بالكلام؟ أي كيف يستقيم أن يوصف أحدٌ بوصف والمعنى الذي يدل عليه هذا الوصف قائم بغيره؟

لعمري هذه مفارقة، نظيرها أن يُنادى عثمان الترزي بالدكتور لأن أباه كان ممرضًا

هذه إحدى ضلالات المعتزلة وهي كثيرة

ولندلف إلى حشوية هذا العصر وما ذهبوا إليه في صفة كلام الله ...

يقولون - ليس في كتبهم فحسب بل على وسائل التواصل الاجتماعي الذي بات متاحًا لجمهور الناس-  بأنَّ الله متكلم بصوت وحرف قديمين ليسا كأصواتنا ولا حروفنا، وأنه يتكلم متى شاء ويسكت متي شاء وبأي لغة شاء .

وهل بعد كل ما قيل يكون كلام الله قديمًا؟

فالصوت حادث والحرف حادث واللغة حادثة، والحدوث نقيض القِدم .

وما يستغرب له أنهم يقولون صراحةً إنَّ الله يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، وهل كلامٌ بعد سكوتٍ إلا حادثًا؟

إذ كيف يكون الكلام قديمًا والمتكلم قد سكت قبله وسيسكت بعده؟

لعمري ما ذلك إلا جمع بين متناقضين حدوث وقِدم معًا . لذلك تجد المتكلمون من أهل السنة قد يردون على المعتزلة في عشرات الصفحات، وعند الرد عليهم تجدهم يكتفون بعبارة (ومذهبهم ظاهر البطلان). أي لا يحتاج ردًا لضعفه البيِّن .

لندع هذه الحجج الداحضة جانبًا ولننظر ماذا قال أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة والماتريدية ) في صفة الكلام؟

بتوسط واعتدال وبلا إفراط ولا تفريط ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته القديمة. ليس كلامه بحرف ولا صوت، منزه عن التقدم والتأخر والإعراب والبناء، منافٍ للسكوت والآفة (الخرس)وهو به آمرٌ، ناهٍ، مخبر. وتدَل على كلامه العبارة والكتابة والإشارة. فإذا عُبِّر عنه بالعربية فالقرآن، وإن بإلأرامية فالإنجيل، وإن بالعبرانية فالتوراة وهكذا ..

يقول الدردير في خريدته :

  ثم الكلامُ ليس بِالحروفٍ

وليس بالترتيبِ كالمألوفِ .. 

إذن الله متكلم ولا معنى للمتكلم إلا مَن قامت به صفة الكلام. وكلامه نفسي قائم بذاته القديمة، يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل. فهو كصفة العلم في التعلق، إلا أن تعلق صفة العلم تعلق انكشاف من غير سبق خفاء، بينما تعلق الكلام تعلق دلالة

ويتعلق كلام الله بالنسبة لغير الأمر والنهي تعلقًا تنجيزيًا قديمًا. أي قد تنجز بالفعل منذ الأزل. وهذا باتفاق العلماء، لكنهم قد اختلفوا  في تعلق كلام الله بالأمر والنهي. وحاصل الخلاف بينهم فيما إذا كان الأمر والنهي يقتضيان مأمورًا ومنهيًا يتوجهان إليهما أم لا ؟

ذهب فريق إلى أن الأمر والنهي لا يقتضيان مأمورًا ومنهيًا، وبالتالي يتعلقان امرًا ونهيًا تعلقًا تنجيزيًا قديمًا كغيرهم .

ويذهب آخرون إلى وجوب وجود مأمورٍ ومنهيٍّ يتوجه إليهما الأمر والنهي. ويرى هذا الفريق أن لصفة الكلام بالنظر للأمر والنهي تعلقين : أحدهما تعلق صلوحي قديم قبل وجود المأمور والمنهي، أي صلاحية وقابلية أزلية على التعلق بالمأمور والمنهي حال وجودهما. بمعنى أن الله آمرٌ ناهٍ بكلامه منذ الأزل، وكل المأمورين والمنهيين صالحين أن تتعلق  بهم صفة الكلام أمرًا ونهيًا ولكن لم يوجدوا بعد .

والثاني تعلق تنجيزي حادث بعد وجودهما، أي يتنجز الأمرِ والنهيِ بالفعل بعد وجود المأمور والمنهي .

  تلكم صفة الكلام في عقيدة أهل السنة والجماعة. وهي أن الله متكلم بكلام نفسي وقديم. وبذلك تلتقى اللُّحمة بالسَّداة ..

وبعد.. إذا كان ذلك كذلك، فإن القرآن الذي بين دفتي المصحف حادثٌ عند أهل السنة والجماعة، فلماذا قال الإمام أحمد وهو إمام  أهل السنة : (القران كلام الله غير مخلوق) ؟؟؟

نعلم جميعنا وبلا شك أن اللغة العربية هي مفتاح العلوم الشرعية. فلا بد من إتقان الأولى لفهم الأخيرة. قال الشاطبي في الموافقات : ( الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم) .

لذلك كانت مباحث الألفاظ - وهي مباحث في اللغة العربية - تحتل في علم أصول الفقه حيزًا كبيرًا ( العام، الخاص، المطلق، المقيد، المشترك، الحقيقي، المجاز الكناية.. إلخ) . فمن يتقنها ومباحث العلة في القياس، يعلو كعبه في  علم الأصول. لكن دلالات الألفاظ فيها قد تزيد في الشريعة عنها في قواعد اللغة والبلاغة بما قد  يخفى على سيبويه نفسه والسكاكي. فللقرآن بيان خاص فوق بيان العرب. لذلك تجد بعض الاصطلاحات الشرعية تزيد في دلالتها عن تلكم التي عند أهل اللغة والبلاغة، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح

ومن ذلك أن كلام الله يطلق ويراد به حقيقةً، الكلام النفسي القديم، ومجازًا القرآن الذي بين دفتي المصحف .

وعلى العكس منه يطلق القرآن ويراد به حقيقةً، المصحف ومجازًا كلام الله النفسي القديم. فالقرآن سور وآيات محفوظة في صدورنا  متلوة بألسنتنا، مكتوبة بأيدينا على ورقنا ..

وصفة الله القديمة لا تحل في الصدور والورق، ولا تتلي بالألسن فمن يمسك بالمصحف يتلوه، فهو لا يمسك صفة الله القديمة بين يديه. فالقرآن الذي بين دفتي المصحف حروف وأصوات حادثة خلقها الله لتدل على بعض كلامه النفسي القديم. وكل الكتب السماوية كذلك. أي أن العلاقة بين هذه الكتب السماوية وكلام الله القديم علاقة دالٍّ حادث بمدلولٍ قديم .

قال تعالي: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ.. } لقمان (27) . 

معنى هذه الآية أن كلام الله النفسي القديم لو عبر عنه بالكتابة لعجزت الكتابة عن بلوغه، لأنه قديم لا بداية له ولا نهاية .

وقطعًا لا ينطبق هذا المعنى على القرآن المكتوب في المصحف، لأنه حادث له بداية (البقرة) ونهاية (الناس) وآيات وحروف معدودة. لكن رغم ذلك حذَّر العلماء من القول بأنَّ القرآن حادث مخلوق إلا في مقام التعليم وحلقات العلم .

فإذا كان لفظ القرآن يطلق حقيقةً على الذي في المصحف، ومجازًا على صفة الله القديمة، فقد يتوهم متوهم أن عبارة (القرآن مخلوق) يقصد بها صفة الله القائمة بذاته. وهذا ما دعا الإمام أحمد أن يصبر على السجن وضربِ السياط ولا يقولها. خشية أن يفهم العوام ما تُوهُمه هذه العبارة من معني قيام الحادث بالقديم. فإلامام أحمد لم يكن في مقام تعليم حتى يشرح مراده للناس. والمعتزلة عندما سألوه عن خلق القرآن كانوا يريدون منه كلمة واحدة فقط ليطيروا بها على الناس ويفسرونها بلسانه بما يؤيد ومذهبهم .

فماذا قال الإمام أحمد ؟

قال : ( القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق )

فلنعرب ما قال :

القرآنُ : مبتدأ

كلامٌ اللهِ : عطف بيان ( ليس خبرًا )

غيرُ مخلوق : خير المبتدأ

ووظيفة عطف البيان توضيح متبوعه وكشف غموضه. وقد عطف الإمام أحمد جملة (كلامُ اللهِ) على المبتدأ (القرآن) ليبين أنه يقصد القرآن الذي هو كلام الله وليس الذي في المصحف .

وبذلك فإنَّ ما عناه الإمام أحمد بالقِدَم في قوله (القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق) هو القرآن كلام الله النفسي لأنه صفة الله القديمة. وصفة القديم قديمة غير

حادثة. أما القرآن الذي في المصحف فهو مخلوق بمفهوم المخالفة. وهذا شيء بدهي فهو حروف وأصوات

وفي القرآن آيات تدل على الكلام القديم وآيات أخرى تدل على الحدوث. مثل قوله تعالى : { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } الأنبياء (2).

وقوله تعالى :{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} القدر (1) .

فصفة الله قديمة قائمة بذاته تعالى لا تتغير ولا تنزل فالنزول حركة من أعلى لأسفل وهو تغير. لذلك يجب صرف هذه الآيات والأحاديث إلى كلامه القرآن الذي في المصحف لا إلى صفة الكلام القديم .

يقول اللقاني في جوهرة التوحيد :

( فكلُّ نصٍّ للحدوثِ دَلَّا

احملْ على اللفظِ الذي قد دَلَّا ). 

وبعدُ.. أسأل الله أن أكون قد وفقت في تناول هذا الموضوع بما يزيح اللبس ويدحض الشبهات في صفة كلام الله .

وأقول إنَّ غير المختص غير معنيٍّ بكل تلك التفاصيل فحسبه ويكفيه تماماً ( لا إله إلا الله، وليس كمثله شيء). فليعض عليها بالنواجذ وليبقَ عشرة على ( ليس كمثله) ..

وصلى الله على سيدنا محمدٍ مفتاحِ المعارف، عدد حسنات كلِّ عارفٍ وغارف .

يشارك: