من نقد الواقع إلى صناعة البديل 

(صناعة البديل فعل المبدعين العاملين) 

                     عباس دليل 

 

في العمل الوطني والمؤسسي، ليس أصعب ما نواجهه أن نكتشف مواطن الخلل أو أن ننتقد الواقع؛ فالنقد بطبيعته فعلٌ متاح للجميع، وكلما اتسعت دائرة المتابعين تعددت الرؤى حول ما ينبغي تغييره وما يجب إصلاحه. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في تعداد العيوب، وإنما في امتلاك القدرة على تقديم البديل الأفضل، وتحويل الرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى واقع . 

وتحكي رواية ذات مغزى أن رساماً ماهراً عرض لوحة بديعة في مكان عام، وطلب من كل من يرى فيها عيباً أن يقوم بتصحيحه. وما هي إلا فترة وجيزة حتى امتلأت اللوحة بالتعديلات، وتشوهت من كثرة الأيدي التي حاولت إصلاحها. فجاءه خبير وقال له: «النقد يحسنه الجميع، أما الإبداع فلا يأتي به إلا القليل ». 

واقترح عليه أن يضع لوحة أخرى من إبداعه، ويضع بجوارها أدوات الرسم، ويترك مساحات خالية، ويطلب ممن يرى في اللوحة عيباً ويعتقد أنه قادر على تقديم ما هو أفضل أن يرسم بديلاً يتجاوز ذلك العيب . 

مضت الأيام والليالي، ولم يتقدم أحد لرسم لوحة بديلة . 

وهنا تكمن الحكمة: أن رؤية الخلل ليست هي امتلاك الحل، وانتقاد الواقع ليس هو القدرة على صناعة واقع أفضل. فبين النقد والإبداع مسافة لا يقطعها إلا من يمتلك الرؤية والمعرفة والشجاعة والقدرة على الفعل . 

ومن هنا، فإن المرحلة التي تمر بها الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الذين يكتفون بتشخيص الأزمة وتعداد الإخفاقات، بقدر ما تحتاج إلى عقول تنتج الحلول، ونخب تقدم البدائل، ومؤسسات تحول الأفكار إلى سياسات، وإرادة وطنية تنقل تلك السياسات من الورق إلى الواقع . 

إن الوطن لا يتغير بكثرة من يقولون: هذا خطأ، وإنما يتغير بمن يستطيع أن يقول: هذا هو البديل، وهذه هي رؤيته، وهذه آلياته، وهذا طريق تنفيذه . 

ولذلك، فإن المسؤولية الحقيقية للمبادرين والمفكرين وأصحاب المشاريع الوطنية ليست أن يكونوا مجرد شهود على الأزمة أو ناقدين لها، وإنما أن يكونوا شركاء في صناعة المخرج؛ وأن ينتقلوا من سؤال «ما الذي لا يعجبنا في الواقع؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ما الذي نريد أن نصنعه بدلاً منه؟ وكيف نصنعه؟ » 

فالنقد قد يكشف موضع الألم، لكنه لا يصنع الدواء؛ والتشخيص قد يصف المرض، لكنه لا يحقق الشفاء؛ أما الإبداع المؤسسي الحقيقي فهو القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة، والتحدي إلى مشروع، والرؤية إلى سياسة، والسياسة إلى أثر ملموس في حياة الناس . 

ولهذا ستظل القاعدة التي ينبغي أن تحكم العمل الوطني : 

« النقدُ سهلٌ ويستطيعه الجميع، أما صناعةُ البديل المفيد والجديد، فعملُ المبدعين  

والأوطان لا تنهض بمن يجيدون وصف ما كان، وإنما بمن يمتلكون شجاعة صناعة ما ينبغي أن يكون . 

يشارك: