قصاصات في الفكر والثقافة والسياسة  

  بقلم - د. خالد صالح     

في حضرة السمراء روضة الحاج  

image-1655.jpeg

    مسيرة الشاعرة والإعلامية الفذة السمراء روضة الحاج تستحق التأمل والتوقف والدهشة ، أنها تجسد نظرية مثلث الفرص والقدرات والبيئة الآمنة الداعمة ، بدأت روضة الحاج كإعلامية في إذاعة وتلفزيون كسلا المتواضع ، ورغم محدودية بث وأثير الإذاعة الكسلاوية ، لكن روضة لفتت إليها الأنظار ، بخامتها الصوتية الرخيمة المحببة ، التي تداعب القلوب والأذان ، بكلماتها وتعابيرها التي تنساب كالماء الرقراق بين الحنايا والضلوع ، بثقافتها العالية وتطويرها المستمر لأدواتها استطاعت السمراء أن تعبر من كسلا إلى امدرمان بسلاسة .  

  عبر أثير امدرمان انفتحت أمام السمراء أبواب الشهرة والانفتاح على عوالم الأدب والمنتديات الشعرية وأصبحت تمتلك قاعدة واسعة من المعجبين والمستمعين ، الذين سحرتهم نبرة الصوت الرخيمة وكأنها قادمة من الماضي البعيد ، من إنسان سنجة وكرمة وكوش والبجراوية ومروي .  

  لكن المحطة الأهم في حياة السمراء روضة الحاج في تقديري هو مشاركتها فى مسابقة أمير الشعراء في نسختها الأولي بأبوظبي رفقة عدد من عباقرة الشعر العربي الشباب وقتها ، علي رأسهم بالطبع تميم البرغوثي .  

  كان آداء روضة في تلك المسابقة تلقائياً وعفويا وعبقريا ، ومع ذلك لم تفز بالجائزة الأولى ، وهذا ذاته سر انتشارها وتعلق الناس بها ، فقد تعاطف معها الجمهور من المحيط إلى الخليج ، ببساطة لأنهم رأوا أنها الأكثر استحقاقا من بين المشاركين للجائزة وأنها التحكيم لم يكن عادلاً ومنصفا لها، وحين يظن البعض أنهم اوقعونك في الوحل ، يكونوا قد قدموا لك خدمة العمر ، ورفعوك من حيت لا يدرون وهذا بالضبط ما حدث للسمراء فقد أصبح لها معجبون في كل الدول الناطقة بالعربية وفي فجاج أرض الله الواسعة وفي دول الشتات .  

  في إحدى دورات معرض الخرطوم الدولي للكتاب ، اقترحنا أن تكون هناك ورقة علمية بعنوان : ( شعرية المرأة السودانية ما بعد روضة الحاج) .  

  لماذا هذا العنوان المتحيز للسمراء؟ ، لأن الشعر السوداني يكاد يكون ذكوريا قبل أن تطل روضة الحاج بسمتها الشعري الأنيق في دوحة الشعر السوداني ، لقد كان تاريخ الشعر النسوي ما قبل روضة الحاج ضعيفا ومحدودا وخافت الصوت ، لقد فتحت السمراء نفاجات لأجيال من النساء الشاعرات ومهدت لهن الطريق .  

  أن صاحبة المفردة المموسقة ذات إنتاج شعري غزير وجذاب فقد صدر لها عش القصيد وفي الساحل ومدن المنفى وإن لم ينصفها التحكيم في أمير الشعراء، فقد حازت على الجائرة الأولى لمسابقة سوق عكاظ بالمملكة العربية السعودية 2012م عن جدارة واستحقاق .  

  صحبتنا في العام 2014 إلى الجزائر العاصمة ضمن مشاركة السودان في فعاليات المنتدى العربي الهندي ، كانت مشاركة السودان رغم محدوديتها مميزة ، فقد أضفى الفنان عمر إحساس وفرقة الفنون الشعبية جاذبية مميزة على الفعاليات، أما روضة الحاج السمراء فقد كانت نجمة النجوم ، وأشهد أنها قد قارعت شعراء من عشرين دولة عربية وهزمتهم أجمعين ، كان الحضور غفير ا بكلية الآداب بجامعة الجزائر ويفوق الوصف والخيال، وعندما اعتلت السمراء المنصة وهتفت ببلاغ امرأة عربية :-  

  عبثاً أحاول أن أزور محضر الإقرار     

فالتوقيع يحبط حيلتي     

ويردني خجلي وقد سقط النصيف     

سقط النصيف ولم أرد إسقاطه     

لكن كفي عاندتني     

في الأغلال ترفل والرفاق بلا كفوف     

اهتزت القاعة ، والتهبت الأكف بالتصفيق الحار ، كانوا يرددون معها كل همسة وكلمة وحرف، كانوا يحفظون هذه الملحمة الشعرية الخالدة ، كان لديها هالة من الهيبة والجمال والتألق ، كنت فخورا يومها بالسمراء اكثر من أي وقت مضى ، فقد كانت يومها سفيرة الحرف والكلمة ، سفيرة سودانية متوجة فوق العادة  

الحديث عن روضة الحاج يطول ولكنها قصاصة أولى في صدى الزرقاء . وعسى أن تعود السمراء قريباً للوطن الذي أحبت وغنت له  

يا موطني لو كنت خنتك لاستحييت     

لو بعت صدقك بالتقارير الكذوبة والنفاق المهني يوماً لاستحييت     

لو كان لي وطن سوي عينيك أيضاً لاستحييت     

لو أنني ساومت في السوق الحرام عليك .  

يشارك: