رحلتنا إلى المغرب… حيث يلتقي التاريخ بالطبيعة، ويعانق الجمالُ الذاكرة  

image-1622.jpeg

طنجة -مأمون  احمد محمد زين  

image-1624.jpeg

 

 

ثمة رحلات تبقى مجرد محطات عابرة في الذاكرة، وثمة رحلات أخرى تتحول إلى صفحات مضيئة من العمر، كلما استعدناها عاد إلينا عبيرها، وارتسمت على الوجوه ابتسامة لا يبهت بريقها. ورحلتنا إلى المملكة المغربية كانت من ذلك الصنف الجميل الذي يترك في القلب أثراً لا تمحوه الأيام .  

image-1623.jpeg

منذ اشهر رسمنا تفاصيل هذه الرحلة بشوقٍ كبير ، واجتمعنا (نحن ثلاثة زملاء أصدقاء) جمعتنا اروقة جامعة الجزيرة بالسودان منذ أكثر من أربعة عقود ثم اجتمعنا مجدداً في لندن قبل ثلاثة عقود قبل أن تفرقنا دروب الحياة وتباعد بيننا تضاريس الزمن .. كنا نحلم بأيام تجمع بين متعة السفر و دفء الصحبة و حنين الماضي و تفرد المكان ،حتى أكرمنا الله بأن تحوّلت تلك الأحلام إلى واقع فاق كل التوقعات .  

image-1626.jpeg

وكما بدأ الرحالة العربي المسلم ابن بطوطة  وابن طنجة رحلاته من هنا  كانت البداية من طنجة، المدينة التي تتعانق فيها القارتان، ويتصافح عندها البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي في مشهد يأسر الأبصار ويبعث في النفس رهبة الجمال وعظمة الخالق. وقفنا على رأس سبارطيل، حيث تمتد الأنظار نحو مضيق جبل طارق، ذلك الاسم الذي طالما رددناه في حصص الجغرافيا والتاريخ ونحن على مقاعد الدراسة، حتى ظنناه صفحةً بعيدة من صفحات الكتب، فإذا بنا نقف اليوم على ضفافه بأقدامنا، نستحضر في مخيلتنا ذلك الحدث العظيم حين عبر منه القائد المسلم طارق بن زياد وجنوده نحو الأندلس، في عهد القائد موسى بن نصير، ليبدأ هناك فصلٌ من أعظم فصول الحضارة الإسلامية، حضارة أشرقت بأنوار العلم والعدل والعمران، وأضاءت أوروبا قروناً طويلة. وقفنا صامتين نتأمل ذلك الأفق الفاصل بين قارتين، وكأننا نرى سفن المسلمين تشق مياه المضيق، ونستعيد في الخيال خطاهم وهم يمضون نحو فتوحات غيّرت مجرى التاريخ، فامتزجت رهبة المكان بعظمة الذكرى، وشعرنا أن التاريخ لم يعد مجرد كلمات تُقرأ، بل أصبح أرضاً نقف عليها، وهواءً نستنشقه، وذكريات نعيشها بكل جوارحنا .  

image-1621.jpeg

وتجولنا بين أزقة المدينة القديمة، حيث تعبق الحجارة بعبير التاريخ، وزرنا القصبة التي ما زالت شامخة تروي أمجاد الماضي، ثم جلسنا في مقهى الحافة، ذلك المكان الذي طالما احتضن الأدباء والفنانين وعشاق التأمل، قبل أن نزور مغارة هرقل حيث تمتزج الأسطورة بجلال الطبيعة في لوحة لا تتكرر .  

image-1627.jpeg ،   

image-1625.jpeg

ومن طنجة انتقلنا إلى أصيلة، المدينة الهادئة التي تتزين جدرانها بالفن، وتفيض أزقتها البيضاء بسكينة آسرة، حتى تبدو وكأنها قصيدة كُتبت على ضفاف الأطلسي. ولم تكن زيارتنا مقتصرة على أسوارها وأسواقها الجميلة، بل كانت لنا وقفة خاصة في حديقة الأديب السوداني العالمي الطيب صالح، التي أُنشئت تكريماً له وتخليداً لذكراه بعد مشاركاته المميزة في مواسم أصيلة الثقافية والأدبية. وكان لذلك المكان وقعٌ خاص في نفوسنا، إذ شعرنا بالفخر ونحن نرى أحد أعلام الأدب السوداني يحظى بهذا التقدير في مدينة مغربية عريقة جعلت من الثقافة والأدب جسراً للتواصل بين الشعوب. وهناك امتزجت مشاعر الاعتزاز بالوطن مع مشاعر الإعجاب بمدينة تُكرّم الفكر كما تُكرّم التاريخ، وتحتفي بالمبدعين كما تحتفي بجمال المكان .  

image-1627-1.jpeg

ثم كانت محطتنا التالية تطوان، المدينة التي تحتفظ بروح الأندلس، ومنها انطلقنا إلى الفنيدق ومدينة سبتة،  مقلة في وجه البحر المتوسط داخل التراب المغربي وتجولنا في مارينا سمير، حيث استأجرنا قارباً أبحر بنا في مياه المضيق الصافية، وانطلقنا نتهادى فوق صفحة البحر في منطقة المضيق وما حولها، فكانت نسائم البحر تداعب وجوهنا، والمياه الزرقاء تحيط بنا من كل جانب، بينما تلوح الجبال والسواحل في الأفق وكأنها لوحات رسمتها الطبيعة بأبهى ألوانها. كانت لحظات من الصفاء يصعب أن تترجمها الكلمات، إذ شعرنا خلالها بأن البحر يهب الإنسان شيئاً من سكينته واتساعه .  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان