ثمة سؤالٌ يتبادر للذهن بفضولٍ مُلح: لماذا نكرر سورة الكهف كل أسبوع؟   

د. عبد الكريم بكار 

image-1138.jpeg

إن الإجابة تكمن في أن هذه السورة ليست مجرد "وردٍ للقراءة"، بل هي (مختبرٌ تربوي) يستعرض أخطر أربع فتن تواجه الإنسان عبر التاريخ، ويقدم لها "العلاج النوعي" الذي يحفظ توازن الروح وعمارة العقل  

إنها السورة التي تُفكك "وهم الظاهر" لتبني فينا "حكمة البواطن ". 

 

إليك كشفاً لهذه المنظومة الربانية : 

 

1.  فتنة الثبات على المبدأ 

 

حين يضيق الواقع وتتسع المعية تبدأ السورة بفتية آمنوا بربهم في بيئة ترفضهم، فكان أمامهم خياران: المساومة أو الثبات. فاختاروا أن يفرّوا بدينهم، فجاء الوعد : 

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ 

المعنى أن ضيق المكان لا يعني ضيق الحياة، وأن من صدق مع الله وسّع الله عليه من رحمته ما لا يتوقع. فالسعة الحقيقية ليست في الخارج، بل في معية الله . 

 

2.  فتنة المال والمتاع: حين يُخدع الإنسان بالبقاء 

 

ثم تعرض السورة نموذج رجلٍ أُعطي من النعيم ما أذهله، فظن أن ما عنده دائم : 

﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ 

هنا تظهر فتنة التعلّق بالدنيا والاغترار بها. ويأتي التوجيه على لسان صاحبه : 

﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ 

فالمال نعمة، لكنه لا يُؤمَن، والبقاء لله وحده. والنجاة تكون بشكر النعمة وردّ الفضل إلى الله . 

 

3.  فتنة العلم والفهم: حين يقف العقل عند حدوده 

 

في قصة موسى مع العبد الصالح، تظهر مواقف تُخالف ظاهرها ما يُستقر عليه من الأحكام، فيعترض موسى عليه السلام بحسب ما يعلم . 

فيُبيَّن له في النهاية أن وراء هذه الأحداث حِكمًا لم تُدرك في حينها . 

﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ 

المعنى أن علم الإنسان محدود، وأن ما يراه قد لا يُحيط بحقيقته. فليس كل ما خفي سببه يُحكم عليه بالخطأ، بل قد تكون وراءه حكمة مؤجلة لا تتكشف إلا مع الزمن . 

 

4.  فتنة القوة والسلطة: بين الطغيان والعدل 

 

تختم السورة بقصة ذي القرنين، الذي مُكّن في الأرض وأُعطي أسباب القوة، فاستعملها في الإصلاح لا في الفساد، وقال : 

﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ 

فنسب الفضل إلى الله، وسخّر قوته لنفع الناس وحمايتهم . 

وهنا يظهر أن القوة امتحان، والنجاح فيه يكون بالتواضع والعدل، لا بالاستعلاء . 

 

الخلاصة : 

سورة الكهف تضع الإنسان أمام حقائق ثابتة : 

أن الثبات يحتاج تضحية، 

وأن النعمة تحتاج شكرًا، 

وأن الفهم يحتاج تواضعًا، 

وأن القوة تحتاج عدلًا . 

 

ومن قرأها متأملاً، أدرك أن الظاهر ليس كل شيء، وأن الهداية في أن يرى الأمور بنورٍ من الله، لا بمجرد ما تلتقطه العين أو يحكم به العقل المجرد . 

 

 

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان